ماذا لو إختفى المهاجرون جميعاً من السويد ؟ هذا ما سيحصل في مختلف مجالات الحياة

تاريخ النشر: 15 / 03 / 2017

ماذا لو إختفى المهاجرون جميعاً من السويد ؟

ربع العاملين في مجال الطب من المهاجرين و2٪ من اطباء السويد اصولهم عراقية

سياسياً، سيكون لأحزاب اليمين المتطرف فرصة نحو تغيير حقيقي خلال انتخابات 2018، مع غياب 380 ألف شخص يحق لهم التصويت في الانتخابات البلدية

قد يكون ضرباً من ضروب الخيال كتابة سيناريو أو توقع ما قد يمكن أن يحدث لو اختفى المهاجرون جميعا من السويد. عبثاً يمكن إيجاد ما يتناول هذا الموضوع في مراجع مكتوبة، أو على مواقع التواصل الاجتماعي أو الالكتروني، أو حتى على صفحات الإنترنت المختلفة. ورغم أن كثرة العناوين وتشعبها عن الهجرة والمهاجرين وأحوالهم على مختلف الصعد، إلا أن المثال الوحيد الذي حمل عنواناً شبيهاً في إطارٍ مختلف كان للكاتب الفلسطيني أكرم عطا الله طارحا سؤالاً أعم، ماذا لو اختفى العرب جميعاً؟

الفكرة بحد ذاتها غريبة بعض الشيء، حين تحاول توقع ما يمكن أن يحدث أو كتابة سيناريو أقرب ما يكون إلى الواقع. المهم أن الفكرة بحد ذاتها تثير فضول أي إنسان، وتدفع بخلايا عقله إلى التفكير والتخيل. وما أن تفكر بالسؤال حتى تستغرب أو تبتسم قائلا: هذا مستحيل !!!

برزت أزمة المهاجرين إلى أوروبا أو أزمة اللاجئين في أوروبا سابقا من خلال ارتفاع عدد المهاجرين لأسباب اقتصادية، واللاجئين من مناطق النزاعات إلى الإتحاد الأوروبي بشكل أساسي. لقد عبر معظمهم البحر الأبيض المتوسط وجنوب شرق أوروبا قادمين من الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا والبلقان، وبدأت الموجة الثانية من هذه الأزمة مع أحداث الربيع العربي وصولاً إلى حرب سوريا التي لا تزال مشتعلة حتى الآن، حيث يعبر آلاف من السوريين الحدود نحو أوروبا هرباً من الحرب والموت، حتى شكل طالبو اللجوء السوريون نسبة واحد في المئة من سكان السويد بحسب ما صرح به وزير العدل والهجرة “مورغن يوهنسون” في إحدى لقاءاته الصحفية. هؤلاء اللاجئون وغيرهم صنفوا بحسب باحثي علم الاجتماع وشؤون الهجرة على درجتين: فئة المثقفين والخبراء ذوو الشهادات الجامعية، وجمهور العمال. فماذا سيحدث لو رحل عن السويد جميع هؤلاء المهاجرين واستفقنا غداً من دونهم؟

بطبيعة الحال سيكون أول المتأثرين القطاع الاقتصادي. فالمهاجرون حالياً بصورة جماعية لم يترك كل منهم بلده بحثاً عن العمل أو المال، بل هربوا مع عائلتهم للتخلص من الأزمات الأمنية والكوارث الإنسانية التي حصدت أرواح الكثيرين، وساهمت بهجرة هؤلاء مع جميع مدخراتهم، حيث وصلوا إلى السويد، وقاموا بفتح العديد من المشاريع الممولة منهم شخصياً، دون أن يرهقوا مالية الدولة، وغيابهم يعني إقفال الكثير من الشركات، والمحال التجارية والمطاعم والمقاهي أبوابها وتوقفها عن العمل. كما ستخسر الشركات الكثير من الموظفين مما يضعف طاقاتها الإنتاجية، وستغيب الكثير من الخدمات والحاجات التي يشكل مصدر طلبها المهاجرين، بالتالي لن تحتاج المحلات الغذائية إلى فتح أبوابها حتى العاشرة مساء، وستكتفي بحلول السادسة بإغلاق محاسبتها والإقفال. فالنبض الحي عن المدن سيكون غائباً كلياً. كذلك الأمر بالنسبة لغياب المنافسة الإقتصادية ما بين المهاجرين والسكان المحليين، ومع إقفال الكثير من المهن الحرة والصغيرة وبيع الخدمات المختلفة، ستقف عجلة الاقتصاد السويدي حائرة أمام الصدمة والتوقف المفاجىء للسوق، وسيصعب وجود حل لامتصاص هذه الازمة بالسرعة المجدية والمطلوبة. هذا كله سيؤدي إلى غياب الإيرادات الكافية للدولة والحفاظ على معدل النمو مستقراً حتى يتسنى حماية نظام الضمان الإجتماعي.

الاطباء العراقيين

أما القطاع الطبي، فسيخسر ربع العاملين في مجال الطب والرعاية الصحية، حيث تقدر نسبة الأطباء المهاجرين في بعض التخصصات نحو 50 بالمئة، وستزول إسهاماتهم في تطوير الطب نتيجة خبراتهم المتعددة ومستواهم العلمي المرتفع، وبحسب الإحصاءات يشكل معدل الأطباء العراقيين على سبيل المثال حوالي 2 بالمئة من إجمالي العاملين في المجال الطبي السويدي، ويؤكد مجلس الخدمات الإجتماعية على أنه يوجد في السويد أطباء من جميع أنحاء العالم، لكن جزء كبير من هؤلاء الأطباء الأجانب العاملين في سوق العمل هم من العراق، ويعتبر ذلك نتيجة طبيعية لحالة وأوضاع اللاجئين في العالم منذ حوالي عشر سنوات.

 وسينعكس ضعف القطاع الاقتصادي على المجال الصحي، مع غياب الإيرادات الكافية للدولة لتغطية التكاليف الطبية للمرضى، تلك التكاليف التي تشمل رسوم التحاليل والمختبرات، والمراجعات، ورعاية الأطفال والمسنين والمعوقين، وتقديم الخدمات المجانية في علاج أسنان الأطفال والشباب تحت العشرين، ونتيجة لضعف هذا الدعم لمرافق الرعاية الصحية بشقيها العام والخاص، سيحرم السويديون من الأمن الصحي، الأمر الذي سيضعف معدلات الشفاء بخاصة في ما يتعلق بأمراض السرطان ووفيات الرضع وبعض الأمراض الأخرى، وسيسجل معدل عمري أقل بعد أن كان الأعلى على المستوى الأوروبي، إذ إن 5 بالمئة من سكان السويد اليوم تزيد أعمارهم عن سن الثمانين عاماً.

أسعار العقارات

أما على صعيد السكان فسيؤدي إخلاء آلاف الوحدات السكنية إلى انهيار سعر العقارات، وستتوقف شركات البناء عن العمل لعدم وجود الطلب الهائل على توافر أماكن جديدة لسكن وغياب حاجة المهاجرين للمنازل، وستفرغ مراكز الإيواء من قاتنيها، وسيعم البرد على الأطراف، وستخسر الكثير من الشركات الخاصة ما تجنيه من أرباح خيالية. أما عدد سكان السويد سيعود إلى ما كان عليه سابقاً، أي أقل من عشرة ملايين نسمة، فارتفاع نسبة السكان في الآونة الأخيرة يعود الى عاملين:الأول، زيادة نسبة الولادة من عشرين ألف إلى خمسة وعشرين ألف سنوياً، لأن الاعتقاد السائد في أوروبا أن خصوبة المرأة المهاجرة أعلى بكثير من معدل خصوبة المرأة الأوروبية، ولا شك في أن هذا المعتقد صحيح، فالعائلات المهاجرة تميل إلى الإنجاب، بينما يكتفي الأوروبيون بالعائلة النواة.

 وتجدر الإشارة إلى  أن تنشئة الطفل الواحد في السويد لحين بلوغه سن العمل تكلف الاقتصاد السويدي آلاف بل ملايين الكرونات، في حين أن أغلب المهاجرين يصلون إلى البلدان المضيفة وهم في سن العمل. ما يربطنا بالعامل الثاني، وهو ارتفاع معدل الهجرة من خمسة وأربعين ألف إلى سبعة وثمانون ألف سنوياً، حيث بينت دراسة مكتب الإحصاء المركزي “س سي بي” أن 77 بالمئة من معدلات زيادة السكان تتعلق بما يسمى فائض الهجرة، ومع غياب المهاجرين ستعود أعداد النساء إلى الارتفاع أكثر من أعداد الرجال، ويرجع هذا الأمر إلى أن أكثرية المهاجرين هم من الذكور، وسيغيب أي ترتيب للمنافسة على الشعوب الأكثر لجوءاً، ويخسر السوريون ترتيبهم لأكبر المجموعات المهاجرة إلى السويد.

فرصة الاحزاب السياسية اليمينية

سياسياً، سيكون لأحزاب اليمين المتطرف فرصة نحو تغييرحقيقي خلال انتخابات 2018، مع غياب 380 ألف شخص يحق لهم التصويت في الانتخابات البلدية، بالرغم من عدم حملهم الجنسية السويدية، منهم 8300 يعيشون قي نوربوتن، شمالي السويد. هذا إذا استثنينا المهاجرين الذين يحملون الجنسية السويدية، مما سينعكس على نتائج الانتخابات العامة سواء على مستوى البلديات أو البرلمان وصولاً للرئاسة.

غياب أصوات هؤلاء المهاجرين التي تصب عادة لصالح الأحزاب اليسارية والاجتماعية التي تتبنى حقوقهم وتدافع عنهم لتوفر لهم ظروفاً أفضل سيفسح المجال للأحزاب العنصرية أن تحصل على أصوات تساعدها أو تقضي عليها في تحقيق كتل نيابية والحصول على حقائب وزارية وإدارات محلية، مع حلول برامج انتخابية مختلفة كلياً لهذه الأحزاب التي يمكن أن تتناول ضمنها الإستراتيجيات الإقتصادية وغيرها من الأفكار، كزيادة النزعة الانفصالية عن الاتحاد الاوروبي وخاصة بعد خروج بريطانيا.

اجتماعياً، وبناءً على كل ما تقدم، سيغيب السباق بين المدن الريفية لمواكبة المدن الكبرى كستوكهولم ويوتوبوري، فعند التمعن والنظر، نرى ان البلدات الصغيرة، وبخاصة البلدات الشمالية القريبة من القطب، أثراً كبيراً للمهاجرين فيها. ونرى بصمتهم في تنمية المدن الريفية لبناء مجتمع تستمر فيه الحياة. فلقد قام المهاجرون بتنشيط الحركة التجارية، وتخفيف الحمل عن كاهل الحكومة في بناء وتعمير المدن، علما ان تلك المدن كانت في الحقيقة تعاني من النقص الحاد في مختلف احتياجاتها خاصة منافع المواطن اليومية والشخصية. كما أنه لن يكون هناك للتنوع الديمغرافي مكاناً مع غياب المهاجرين الذين احدثوا فرقاً شاسعاً في التعرف على ثقافات الشعوب وعادتهم. أما الانتعاش الاقتصادي في القرى والارياف فهو عائد لقيام المهاجرين بتفعيل الاستثمارات وفتح المشاريع الصغيرة لتلبية الاحتياجات المعيشية للسكان، بعد أن أدت عملية مزج المجتمع الاصلي بالمجتمعات المهاجرة ودمجهم بها والانفتاح والتعرف على العادات الى الازدهار العقاري الناتج عن الطلب الملح للمساكن خاصة بعد انشاء وتطور المشاريع الاستثمارية، واثر كل ذلك على الحياة اليومية.اما سكان المدن الريفية الأصليين، فسيضطرون لمغادرة المدينة بحثاً عن احتياجاتهم اليومية و يعود روتين المعاناة لعدم توفر متطالبهم حتى في المدن المجاورة لهم.

خلاصة القول، قد يوافق البعض على هذا السيناريو المبني على بعض الوقائع، وقد يرفض البعض الاخر الفكرة كلياً، علماً ان الموضوع لم يشمل كل الصعد، فالدين والتربية، البيئة          و المرأة وغيرها من المؤشرات كلها تظهر انخراط المهاجرين في شتى ميادين الحياة السويدية، لكن ما كان هذا المقال إلا لإبراز اهمية وجود المهاجرين، وتأكيداً على احتضان المجتمع السويدي بغالبية اطيافه لهؤلاء المهاجرين، ورغم ابراز كل النقاط الايجابية لتواجد المهاجرين في السويد إلا أن هناك وجود لبعض الحالات الشاذة التي تغرد خارج السرب اذا صح التعبير. ولكن يبقى المهاجر في السويد مرحبا به، ونلاحظ في كل يوم وفي كل مناسبة التصريحات الرسمية وغير الرسمية التي تؤكد على اهمية وجود هذا المهاجر واندماجه في المجتمع السويدي. وتكرس القوانين السويدية مثل: قانون سوق العمل، والعلاقات الأسرية والاجتماعية، والرعاية الصحية، وما يتعلق بالمواطنة والحياة المدنية، فرص أفضل لاندماج المهاجرين ومساعدتهم في تأسيس حياة جديدة في المجتمع. كما تؤكد على إعطائه حقوقه وتعامله على انه جزء من نسيج هذا المجتمع العريق الذي تمتد حضارته إلى العصور الوسطى، ليكون له دورً اساسي ومشارك فعال لبناء المجتمع السويدي بدافع الشعور والاحساس بالانتماء للسويد كوطن يعيش فيه. لقد شكل هذا التكامل ما بين المهاجرين والسويديين نموذجاً انسانياً للحضارة البشرية يحتذى به للتعايش بسلام واستقرار وطمأنينة.

المصدر: وكالة الصحافة الاوروبية وصحيفة يورو تايمز

مشاركة:

مقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.