يقول وزير فلسطيني سابق: “ينظر الشعب الفلسطيني إلى قبرص لتفسير حقائق الشرق الأوسط”.
لقد أعادت الإبادة الجماعية في غزة تشكيل المشهد السياسي للشرق الأوسط، مما أدى إلى تركيز متجدد على مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، ومصداقية المؤسسات الدولية، وجدوى التوصل إلى تسوية سياسية.
يُعتبر الدكتور صبري صيدم، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ونائب أمينها العام، وعضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، أحد أبرز الشخصيات السياسية والتقنية في السلطة الفلسطينية.
شغل سابقاً منصب وزير الاتصالات وتقنية المعلومات (2005-2006)، ليصبح بذلك أحد أصغر الوزراء سناً في فلسطين آنذاك، ثم وزيراً للتربية والتعليم العالي (2015-2019).
كما عمل مستشاراً لرئيس الجمهورية الفلسطينية لشؤون الاتصالات وتقنية المعلومات والتعليم التقني.
كان صيدم في قبرص خلال الأسبوع الأول من فبراير/شباط لحضور اجتماعات سياسية وفعاليات عامة تركزت على التطورات في غزة وآفاق إحياء عملية سياسية ذات مصداقية.
في هذه المقابلة، يتأمل في تأثير الحرب على السياسة الفلسطينية، وينتقد ما يصفه بفشل القانون الدولي في حماية المدنيين، ويؤكد أن الشرعية الديمقراطية والمؤسسات القوية لا تزالان أساسيتين لإقامة دولة فلسطينية في المستقبل.
كما يحذر من خطر “جيل ضائع” في غزة، ويحدد الدور الذي يعتقد أن قبرص يمكن أن تلعبه في الدفاع عن القضية الفلسطينية.
ما هو الغرض من زيارتك إلى قبرص، وماذا تتوقع من دولة مثل قبرص أن تفعل من أجل القضية الفلسطينية؟
كانت زيارتي إلى قبرص ناجحة للغاية. حضرتُ يوماً دراسياً نظمته منظمة أكيل لأعضاء البرلمان الأوروبي، حيث تحدثتُ عن معاناة الشعب الفلسطيني، كما تواصلتُ مع الشركاء لبحث سبل تنسيق الجهود لإنهاء الوضع الراهن.
لطالما كانت قبرص شريكاً وثيقاً وموثوقاً به للعديد من الفلسطينيين ولمن لا يزالون يؤمنون بإمكانية التوصل إلى حل عادل.
ينظر الشعب الفلسطيني وقضيته إلى قبرص كطرف قادر على شرح واقع الشرق الأوسط لأوروبا، والدعوة إلى دور أوروبي أكثر مصداقية وفعالية.
إن تهميش الصراع العربي الإسرائيلي لن يؤدي إلى الاستقرار.
المطلوب هو حل شامل يمنع عودة المواجهة ويضمن احترام إرادة الشعب الفلسطيني وتحقيق العدالة كاملةً.
هل غيّرت الحرب في غزة المشروع الوطني الفلسطيني تغييراً جذرياً؟ وهل يمكن للسياسة أن تعود إلى الإطار نفسه بمجرد انتهاء القتال؟
نعم، لا شك أن الحرب قد غيرت مسار المشروع الوطني الفلسطيني.
فقد أثرت بشكل عميق على القضية الفلسطينية، وألحقت الضرر بمصداقية المجتمع الدولي، فضلاً عن ولاية الأمم المتحدة ومبادئها ومكانتها الأخلاقية كحامية للسلام العالمي.
ما شهدناه هو تراكم للعداء الإسرائيلي ورفض وتجاهل لعملية أوسلو، الأمر الذي أدى إلى إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية.
يجب الآن على المجتمع الدولي إعادة النظر في هذا الوضع ودراسته بدقة، بهدف ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل للالتزام بإرادة المجتمع الدولي كما تجسدت في العديد من قرارات الأمم المتحدة.
نشعر بقلق بالغ إزاء الوضع الراهن، ونؤمن إيماناً راسخاً بأنه بدون تدخل دولي فعّال، لن يكون هناك حد لهذا العنف. وإلا، فإننا نخاطر بمشاهدة المزيد من المعاناة والمشقة.
لقد أحدث الواقع الراهن شرخاً كبيراً في السياسة العالمية، وفي السياسة الفلسطينية المحلية على حد سواء.
وقد غذّى هذا الواقع حالة من اللامبالاة المتزايدة بين الفلسطينيين. أولئك الذين كانوا يُعتبرون في السابق ضامنين لعملية أوسلو، أثبتوا عدم جدارتهم بهذا الدور.
لقد وقفوا مكتوفي الأيدي بينما تدهورت العلاقات، وتصاعدت الحروب المتتالية، وأصبح الصدام هو النمط السائد في التعامل.
السؤال الملح الآن هو كيفية إصلاح الوضع الذي تضرر بشدة وتشوه، وكيفية إنهاء القتال حتى يمكن استعادة السلام والالتزام بقرارات الأمم المتحدة.
لقد كشفت غزة عن حدود القانون الدولي. هل ما زلت تعتقد أن المؤسسات العالمية والأوروبية مستعدة لإنفاذه فيما يتعلق بإسرائيل وفلسطين؟
لا أقول إن غزة كشفت فقط عن حدود القانون الدولي، بل كشفت عن فشله وإفلاسه وعدم جدواه عندما يتعلق الأمر بحماية المحتاجين.
في نظر العديد من الفلسطينيين، يبدو أن القانون الدولي يخدم أولئك الذين يمسكون بزمام السلطة، بينما يتم استخدامه بشكل انتقائي من قبل أولئك الذين يستخدمونه لتبرير المزيد من الأذى ضد الشعب الفلسطيني، بدلاً من أن يخدم العدالة أو يعزز السلام.
لذا، لا بد من بذل جهد عالمي جاد، ولا سيما من جانب المؤسسات الأوروبية، لفرض السلام وحل النزاع العربي الإسرائيلي.
وما زلت أعتقد أن على من يكتفون بمراقبة التطورات العالمية دون اتخاذ أي إجراء أن يتقدموا ويرفضوا الاستسلام للضغوط أو الاستسلام. معًا، نستطيع إحداث تغيير.
إن تهميش أوروبا أو إقصائها لن يخدم السلام العالمي، ولن يساهم في حل الصراع العربي الإسرائيلي.
إن استمرار هذا الصراع لن يؤدي إلا إلى زرع بذور المزيد من المواجهات في المستقبل.
ما هو دور الحوكمة والمؤسسات في مسيرة بناء الدولة؟ هل يمكن بناء دولة حقيقية في ظل الاحتلال، أم أن ذلك قد يتحول إلى مجرد وهم؟
لطالما لعبت الحوكمة والمؤسسات دورًا محوريًا في ترسيخ مصداقية السلطة الفلسطينية ووضع أسس الدولة الفلسطينية المستقبلية.
ويُعدّ بناء الدولة جزءًا لا يتجزأ من الثقافة السياسية الفلسطينية، ليس فقط لإظهار الاستعداد لإقامة الدولة، بل أيضًا لتحدّي الفكرة المغلوطة التي تروج لها إسرائيل بأن الفلسطينيين عاجزون عن الحكم الذاتي.
لا توجد أمة غير جديرة بالحرية. لقد كافحت أمم كثيرة في بناء دولها، وأثبتت في نهاية المطاف جدارتها.
على مدى الثلاثين عامًا الماضية، هيأ الفلسطينيون أنفسهم لإقامة دولتهم، لكن صناع القرار في تل أبيب اختاروا مسارًا مختلفًا.
إن الدعوة إلى إجراء انتخابات تُقدّم حلاً واضحاً لوضع صعب ومليء بالتحديات. وتبقى الديمقراطية أداةً أساسيةً للتجديد واستعادة الشرعية.
لم تعد قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني تثق بالمؤسسات السياسية القائمة.
ما هي التغييرات الملموسة – لا الوعود – التي يجب على القيادة الفلسطينية تقديمها الآن لاستعادة الشرعية؟
لا أتفق بالضرورة مع فكرة أن قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني فقدت ثقتها بالمؤسسات السياسية القائمة.
ومع ذلك، فقد أعلنت القيادة الفلسطينية والسلطة الفلسطينية أن عام 2026 سيكون عام الديمقراطية.
يُتاح لمن لا يرضون عن النظام فرصة تغييره عبر صناديق الاقتراع، وعبر صناديق الاقتراع فقط.
ويشمل ذلك الانتخابات البلدية، والانتخابات الرئاسية، وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، والعمليات الديمقراطية الداخلية في الحركات السياسية، بما في ذلك المؤتمر الثامن القادم لحركة فتح.
بإمكان من لا يرضون بالوضع الراهن أن يختاروا التغيير عبر الانتخابات العامة والمشاركة الديمقراطية.
ينبغي أن تكون الديمقراطية هي الفيصل، وأن تحدد صناديق الاقتراع مسار المستقبل.
مع تدمير المدارس والجامعات في غزة، كيف يمكن منع جيل كامل من الضياع سياسياً واجتماعياً وفكرياً؟
إن منع جيل كامل من الضياع سياسياً واجتماعياً وفكرياً يمثل بلا شك تحدياً كبيراً.
ومع ذلك، فقد لعبت التكنولوجيا دوراً حاسماً.
استخدمت المدارس في غزة الأدوات الرقمية للبقاء على اتصال مع نظيراتها في الضفة الغربية، بينما حافظت الجامعات على الروابط الأكاديمية لضمان استمرارية التعليم للطلاب الذين تضرروا بشدة من الحرب.
هذا، بطبيعة الحال، لا يضمن الكفاءة الكاملة.
إن إعادة الحياة التعليمية في غزة أمرٌ ضروري، تماماً كما هو الحال بالنسبة لإعادة الإعمار في القطاعات الأخرى.
يجب إعادة بناء المدارس والجامعات مع ضمان استمرار التعليم وعودته تدريجياً إلى وضعه الطبيعي.
كيف يمكن للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أن تصبح أدوات تمكين؟
لطالما كانت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أدوات لتمكين الإنسان. كما وفرتا منصات تحافظ على التواصل بين المدارس والجامعات في غزة وتلك الموجودة في الضفة الغربية.
يجب بذل كل جهد ممكن لحماية جيل فلسطيني عانى من مصاعب جمة، وضمان استمرار حصوله على المعرفة والتعليم.
وهذا أمر حيوي للحفاظ على القدرات الفكرية اللازمة لدعم بناء الدولة والتنمية والتقدم الجماعي. ويبقى التعليم محوراً أساسياً في كل ذلك.
المصدر: In Cyprus
تستطيع الدخول للخبر في الجريدة الرسمية بمجرد الضغط على هذا الرابط:-
يرجى ملاحظة أن جميع المواد المعروضة في “موقع فلسطينيو قبرص” محمية بحقوق الطبع والنشر وقوانين الألفية الرقمية لحماية البيانات.

