المعاشات التقاعدية والإنتاج والعدالة الاجتماعية تعتبر من القضايا الأساسية التي تؤثر على استقرار المجتمعات وتنميتها.
في بلد عَرِف معدلات توظيف شبه كاملة خلال معظم الفترة التي أعقبت عام 1980، يبرز تساؤل منطقي: لماذا يوجد هذا العدد الكبير من المتقاعدين ذوي الدخل المنخفض؟ هذا السؤال ليس فائضاً عن الحاجة، بل ضروري لفهم جذور المشكلة ومعالجتها بإنصاف واستدامة.
للإجابة على هذه الإشكالية، فلنبدأ بمثال بسيط. إذا أردنا تحديد كمية اللحوم التي ينبغي أن يستهلكها الفرد سنوياً، يكفي أن نسأل خبير تغذية ليقدم توصيات مدعومة بالعلم.
لكن السؤال الأصعب ليس في التوصية بكمية اللحوم المناسبة، بل في كيفية تزويد كل فرد بها.
بطبيعة الحال، أي شيء يُستهلك يجب أن يُنتج أولاً.
وبعد الإنتاج، يبقى التحدي في كيفية توزيعه بين الناس. تصور وجود قرية تضم ألف نسمة وثماني بقرات فقط، تنتج كل واحدة منها 10 لترات من الحليب يومياً.
إذا أوصى خبير تغذية في هذه القرية بأن يستهلك الجميع نصف لتر يومياً، سيواجه اعتراضاً من سكان القرية مفاده أن هذه الكمية غير كافية لتلبية احتياجاتهم جميعاً.
وبالتالي، توقع إنتاج أو استهلاك يفوق الموارد المتاحة يصبح مجرّد عبث.
يمكن إسقاط نفس المنطق على أنظمة المعاشات التقاعدية، بما فيها صناديق التأمينات الاجتماعية.
المطالبة برفع المعاشات دون النظر إلى الموارد اللازمة لتمويلها – من مدخرات واشتراكات واستثمارات – أشبه بالمطالبة بموارد غذائية غير موجودة.
إذا اخترنا التركيز على الحلول بدلاً من المطالب فقط، مثل تحسين المدخرات أو الاعتماد على مصادر دخل واستثمار جديدة، فحينها سيكون نهجنا أكثر واقعية وجدارة.
من هذا المنطلق، يجب أولاً الإجابة عن أسئلة أساسية لبناء نظام تقاعدي متوازن.
على سبيل المثال: ما هو الحد الأدنى للمعاش الذي يضمن حياة كريمة لكل مواطن؟
وما المستوى التقاعدي الذي نتطلع إليه؟
وكيف يمكن توزيع المسؤوليات بين المكونات المختلفة للنظام التقاعدي؟
إذا افترضنا أن الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية هو أحد ركائز تمويل التقاعد، فما مقدار الادخار أو الاستثمار المطلوب لتلبية احتياجات المتقاعدين؟
وهل يمكن تحقيق ذلك بتحويل جزء من الدخل أو من الموارد بين مختلف الطبقات الاجتماعية؟
تفادي الغموض في هذه النقاط ضرورياً لضمان عدالة واستدامة النظام التقاعدي.
ولكن عندما تدخل مسألة نقل الثروة بين المواطنين إلى المعادلة، تظهر تساؤلات أخلاقية واجتماعية معقدة.
لماذا لم يسهم البعض على النحو الكافي؟ هل كان السبب ظروفاً قهرية تعيقهم مثل المرض أو البطالة؟
أم أن الأسباب تعود إلى قصور شخصي مثل عدم الالتزام بالعمل المنتظم أو الامتناع عن التصريح الحقيقي بالدخل؟
على الجانب الآخر، كيف يمكن ضمان أن إجراءات إعادة توزيع الموارد لا تُثقل كاهل أولئك الذين ساهموا بشكل كبير في النظام؟
هل يعني ذلك أنهم قد يجدون أنفسهم في وضع أسوأ من غيرهم؟
لا شك أن الأغلبية ستدعم تقديم المساعدة للفئات التي لم تُتح لها الظروف الملائمة للعمل أو التوفير بسبب تحديات خارجة عن إرادتها.
لكن من المهم تطبيق هذه المساعدة ضمن إطار ترى فيه الأغلبية عدالة توزيع الموارد كمبدأ أساسي.
لذا، عند النظر في نظام التقاعد الوطني في ظل اقتصاد اشتغل لعقود تحت ظروف شبه كاملة للتوظيف، يجب تحليل تلك المفارقة التي تركت العديد من المتقاعدين بدخل محدود.
الإجابة على هذا السؤال ليست خياراً، بل ضرورة تتطلب شجاعة في مواجهة الحقائق وشفافية في تقديمها بغية بناء نظام معاشات عادل ومستدام يجد قبولاً شاملاً من المجتمع.
المصدر: politis.com.cy
تستطيع الدخول للخبر في الجريدة الرسمية بمجرد الضغط على هذا الرابط:-
يرجى ملاحظة أن جميع المواد المعروضة في “موقع فلسطينيو قبرص” محمية بحقوق الطبع والنشر وقوانين الألفية الرقمية لحماية البيانات.